الجمعة ١٨ - سبتمبر - ٢٠٢٦ القاهرة
05:49:51pm

حين سبق السادات عصره… رجلٌ اختار السلام حين كان السلام مخاطرة

الجمعة ١٨ - سبتمبر - ٢٠٢٦

بقلم: دكتور. فريد شوقي المنزلاوي

الكاتب والمفكر والخبير التربوي

هناك شخصيات في التاريخ لا يكفي أن نحكم عليها من لحظة رحيلها، بل يجب أن نعود إلى أفكارها

بعد عقود، وننظر بعين أكثر هدوءًا: ماذا قالوا؟ وماذا فعلوا؟ وماذا حدث بعدهم؟

 

ومن بين هذه الشخصيات يأتي اسم الرئيس محمد أنور السادات؛ الرجل الذي لا تزال تجربته السياسية

تفتح أبوابًا واسعة للنقاش والتأمل، بعد نحو خمسة وأربعين عامًا من رحيله.

 

أكتب اليوم لا باعتباري مؤرخًا، وإنما باعتباري مصريًا يحمل تقديرًا عميقًا لرجل أراه من أكثر الشخصيات

السياسية المصرية إثارة للتأمل؛ رجل امتلك شجاعة اتخاذ القرار، ولم يكن يخشى أن يسير في طريق

مختلف عندما كان يرى أن مصلحة مصر تستحق المخاطرة.

 

كان السادات يدرك أن الحرب، مهما كانت ضرورية في لحظة من اللحظات، لا يمكن أن تكون قدرًا

أبديًا للشعوب.

وكان يرى أن القوة الحقيقية لا تكمن فقط في القدرة على خوض الحرب، وإنما أيضًا في القدرة على

تحويل نتائجها إلى مسار سياسي يحفظ الأرض والكرامة ويفتح أبواب المستقبل.

 

من الميدان إلى مائدة التفاوض

في أكتوبر 1973 خاضت مصر حربًا لاستعادة أراضيها المحتلة، ثم بدأ السادات ينتقل تدريجيًا من مرحلة

المواجهة العسكرية إلى مرحلة البحث عن تسوية سياسية.

وفي عام 1977 اتخذ واحدة من أكثر الخطوات جرأة وإثارة للجدل في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي

إذ زار القدس وألقى خطابًا أمام الكنيست الإسرائيلي داعيًا إلى السلام.

لم تكن الزيارة مجرد حدث بروتوكولي، بل شكلت تحولًا كبيرًا في مسار العلاقات المصرية الإسرائيلية

والمفاوضات التي تلتها.

 

ثم جاءت مفاوضات كامب ديفيد عام 1978، بوساطة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، وانتهت لاحقًا إلى

معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.

وفي عام 1978 حصل أنور السادات ومناحيم بيغن على جائزة نوبل للسلام تقديرًا لدورهما في التفاوض

الذي قاد إلى اتفاقات كامب ديفيد.

 

وهنا أتوقف أمام شخصية السادات وأسأل نفسي:لماذا أُعجب بهذا الرجل؟

لأنه لم يكن أسيرًا للحظة.

كان ينظر إلى المستقبل.

السادات… عندما تحدث بلغة تتجاوز السياسة

 

أحد أكثر الجوانب التي تستوقفني في تجربة السادات هو أنه لم يكن يتعامل مع السلام باعتباره مجرد

ورقة سياسية أو اتفاق دبلوماسي.

 

كان يحاول أن يمنحه بعدًا إنسانيًا وحضاريًا ودينيًا.

وكان يستحضر في خطاباته قيمًا مشتركة بين أتباع الديانات الإبراهيمية، في محاولة للتأكيد على أن

الصراع السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى كراهية دينية أو إنسانية.

 

محمد… وموسى… وعيسى عليهم السلام.

ثلاثة أسماء تنتمي إلى تراث ديني مشترك، في منطقة عاشت عقودًا طويلة تحت وطأة الصراع.

وهنا أرى أن قيمة الفكرة لا تتوقف عند اسم صاحبها، وإنما في قدرتها على الوصول إلى الإنسان

وتجاوز حدود اللحظة السياسية.

 

بعد نحو 45 عامًا… ماذا بقي من الفكرة؟

رحل السادات في 6 أكتوبر 1981، بعد اغتياله على يد متطرفين معارضين لسياساته، وكان من بين أبرز

الملفات التي أثارت غضب خصومه آنذاك مسار السلام مع إسرائيل وعلاقاته بالولايات المتحدة.

 

لكن مرور العقود لم يُنهِ الجدل حول تجربته.

بل على العكس، جعلها موضوعًا تاريخيًا مفتوحًا لإعادة القراءة.

فمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية التي وُقعت عام 1979 أصبحت اتفاقًا تاريخيًا مستمرًا، وأصبحت

زيارة السادات إلى القدس إحدى أبرز المحطات التي تُذكر عند دراسة الانتقال من الحرب إلى التفاوض

في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

 

وهنا تكمن أهمية قراءة التاريخ بعد مرور الزمن.

قد نختلف مع رجل في بعض قراراته، وقد نختلف حول تقييم تجربته السياسية وتكاليفها ونتائجها، لكن

من حق الأجيال الجديدة أن تعيد النظر في القرارات التاريخية بعيدًا عن الانفعال الذي صاحب لحظة اتخاذها.

 

من رجل الحرب إلى رجل السلام

المفارقة التاريخية اللافتة أن السادات، الذي كان جزءًا من القيادة المصرية في زمن الحرب، أصبح

لاحقًا أحد أبرز رموز التفاوض والسلام في المنطقة.

 

وهذه ليست مفارقة بسيطة... إنها درس سياسي وإنساني مهم:القوة لا تعني أن تظل في الحرب إلى الأبد.

والسلام لا يعني نسيان الماضي.

 

بل يمكن أن يعني أن تستخدم ما حققته في الماضي من أجل بناء مستقبل مختلف.

ولذلك فإن تجربة السادات تستحق أن تُدرّس للأجيال لا باعتبارها قصة نجاح مطلقة أو قصة فشل مطلق

وإنما باعتبارها تجربة سياسية شديدة التعقيد، اجتمعت فيها الحرب والسلام، والقرار والجدل، والإنجاز والتكلفة.

 

فالسلام الذي تحقق لم يكن بلا ثمن... ومسيرة السادات نفسها لم تكن بلا خصوم.

بل إن الرجل دفع حياته ثمنًا لمواقفه قبل أن تتاح له فرصة معرفة كيف سيقرأ التاريخ تجربته بعد عقود.

 

لماذا أحب السادات؟

أقولها بكل وضوح: أحببت في السادات الإنسان الذي امتلك الجرأة على الحلم، والسياسي الذي

امتلك شجاعة التنفيذ، والرجل الذي آمن بأن المستقبل لا يُبنى بالكراهية وحدها.

 

أحببت فيه قدرته على اتخاذ قرار يعلم مسبقًا أنه لن يحظى بإجماع الجميع.

وأحببت فيه تلك القدرة على الانتقال من منطق الحرب إلى منطق التفاوض دون أن يعني ذلك

 في رؤيته، التخلي عن مفهوم القوة أو عن المصالح المصرية.

 

وهنا أعتقد أن أعظم ما يمكن أن نتعلمه من السادات ليس أن نتفق معه في كل شيء، وإنما أن نفهم

معنى شجاعة القرار.

فالقائد الحقيقي لا يقيس قراراته فقط بما سيقوله الناس عنه في اليوم التالي.

 

بل يسأل أيضًا:ماذا سيقول التاريخ بعد عشرات السنين؟

هل سبق السادات عصره؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأهم.

 

لا أقول إن كل ما فعله السادات كان صحيحًا بلا نقاش، ولا أقول إن التاريخ أغلق ملف تجربته.

لكنني أقول إن الرجل امتلك رؤية جعلته مستعدًا للانتقال من واقع كانت فيه الحرب هي اللغة السائدة

إلى محاولة فتح طريق آخر عنوانه التفاوض والسلام.

وبعد نحو خمسة وأربعين عامًا من رحيله، ما زالت تلك الخطوة حاضرة في كتب التاريخ، وفي النقاشات

السياسية، وفي ذاكرة المنطقة.

 

وهذا وحده يجعل تجربة السادات جديرة بالتأمل.

فبعض الأفكار تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تظهر نتائجها أو تتضح أبعادها.

وبعض القرارات لا يستطيع أصحابها معرفة أثرها الكامل، لأن التاريخ يحتاج إلى وقت حتى يكشف وجوهه المتعددة.

 

وأنا عندما أنظر اليوم إلى صورة السادات، الرجل الذي وقف في لحظة شديدة التعقيد يتحدث عن السلام

 لا أراه مجرد رئيس مصري رحل منذ عقود.

أراه درسًا في الجرأة على التفكير خارج المألوف.

 

وأتساءل: كم من القرارات التي بدت مستحيلة في زمانها، احتاجت فقط إلى مرور الزمن حتى نفهم لماذا اتُخذت؟

رحم الله الرئيس محمد أنور السادات... رحل الرجل، وبقيت تجربته.

 

وقد يختلف الناس حوله، وحول قراراته، وحول الطريقة التي انتهت بها حياته، لكن تبقى حقيقة

تاريخية لا يمكن تجاوزها

أن مصر انتقلت في عهده من الحرب إلى التفاوض، وأن معاهدة السلام التي وقعتها مصر وإسرائيل

عام 1979 أصبحت إحدى المحطات الأساسية في تاريخ المنطقة، وأن السادات دفع حياته ثمنًا لمواقفه

قبل أن يرى كيف سيقرأها التاريخ بعد رحيله.

 

أما أنا، فستظل صورته بالنسبة لي مرتبطة بمعنى واحد

أن الشجاعة ليست دائمًا أن تختار الطريق الذي يصفق له الجميع…أحيانًا تكون الشجاعة أن تختار

الطريق الذي تؤمن أنه قد يفتح للمستقبل بابًا لم يره الآخرون بعد.

 

 



موضوعات مشابهه