حين يتحول العلم إلى رحمة.. تأملات في إنسانية الحبيب علي الجفري
الأحد ٠٤ - أكتوبر - ٢٠٢٦
بقلم: دكتور. فريد شوقي المنزلاوي
الكاتب والمفكر والخبيرالتربوي
هل قابلت يومًا إنسانًا لم تتذكر بعد سنواتٍ كثيرة ماذا قال لك، لكنك ما زلت تتذكر كيف جعلك تشعر؟
ربما لم يمنحك حلًا لمشكلتك، لكنه منحك أملًا.
ربما لم يغيّر واقعك، لكنه خفف عن قلبك وطأة ما كنت تمر به.
وربما لم يقل أكثر من كلمات قليلة، لكنها جاءت في اللحظة التي كنت تحتاج فيها إلى من يقول لك
لا تيأس… ما زال في الطريق متسع للعودة.
هكذا تُقاس قيمة بعض الأشخاص في حياتنا؛ ليس بما يقولونه فقط، وإنما بالأثر الذي يتركونه في القلوب.
وفي عالمٍ أصبحت فيه الكلمات كثيرة، والأحكام أسرع من الفهم، تظل هناك حاجة إلى خطاب يعيد
للإنسان إنسانيته، ويذكّره بأن التدين ليس مظهرًا فحسب، ولا معلومات تُحفظ، وإنما رحمةٌ تُعاش
وأخلاقٌ تُمارس، وقلوبٌ نتعلم كيف نرفق بها.
ومن الشخصيات التي ارتبط حضورها في أذهان كثير من الناس بهذا المعنى الحبيب علي الجفري
إذ يبرز في خطابه اهتمام بالجانب الإنساني من التدين: الرحمة، والتواضع، وحسن الظن
وجبر الخاطر، وإحياء الأمل في النفوس.
الإنسان قبل الموعظة
قد يظن البعض أن إصلاح الناس يبدأ بالنصيحة، بينما يحتاج الإنسان في كثير من الأحيان إلى أن يجد
من يفهم ألمه قبل أن يسمع توجيهه.
فالمهموم قد لا يحتاج إلى محاضرة بقدر حاجته إلى أذنٍ تسمعه، والمخطئ قد يكون أحوج إلى يدٍ تأخذ
به إلى الطريق من كلمةٍ تزيد شعوره بالابتعاد.
وهنا تكمن قيمة التعامل مع الناس بروح الرحمة؛ فالغاية ليست أن ننتصر عليهم في النقاش، وإنما أن
نفتح أمامهم بابًا للخير.
إن الكلمة الطيبة قد تمر في ثوانٍ، لكنها أحيانًا تظل في قلب صاحبها سنوات.
التدين الذي يصنع إنسانًا أجمل
من أهم المعاني التي تستحق التأمل أن أثر الإيمان لا يقاس فقط بكثرة العبادات الظاهرة، وإنما بما
تصنعه العبادة في أخلاق صاحبها.
فإذا ازداد الإنسان قربًا من الله، يفترض أن يزداد تواضعًا ورحمةً وقدرةً على العفو.
وقد جاء في القرآن الكريم:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
فالرحمة ليست قيمة هامشية، بل هي من المعاني العظيمة التي يقوم عليها فهم رسالة الإسلام.
ومن هنا يصبح السؤال الأهم بعد كل عبادة: ماذا صنعت هذه العبادة في قلبي وسلوكي؟
هل جعلتني أكثر رحمة بأهلي؟
أكثر صبرًا على الناس؟
أقل تعاليًا عليهم؟
وأسرع إلى الخير حين أستطيع؟
إذا كان الإيمان حاضرًا في القلب، فلا بد أن يكون له أثر في الحياة.
جبر الخاطر.. عبادة خفية.. من أجمل الأعمال تلك التي لا يصفق لها أحد.
أن ترى شخصًا منكسرًا فتمنحه بعض الأمل.
أن تساعد محتاجًا دون أن تشعره بالدونية.
أن تستر خطأ إنسان بدل أن تجعل منه حديثًا للناس.
أن تتذكر شخصًا غاب عنك فتسأل عنه.
أن تعتذر عندما تخطئ، وأن تقبل اعتذار من أخطأ إليك.
هذه المواقف قد تبدو بسيطة، لكنها تكشف حقيقة الأخلاق أكثر مما تكشفها الكلمات.
فليس المهم فقط أن نعرف الخير، وإنما أن نكون قادرين على ممارسته عندما لا ينتظر منا أحد شيئًا.
لا تجعل الاختلاف خصومة
ومن المعاني الإنسانية المهمة التي يحتاجها مجتمعنا اليوم أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى كراهية.
يمكن أن تختلف مع إنسان وتحفظ له كرامته، وأن تنصحه دون أن تجرحه، وأن ترى خطأه دون أن
تختزل شخصه كله في ذلك الخطأ.
فالإنسان أكبر من لحظة ضعف، والباب إلى الله لا يُغلق في وجه من أخطأ.
وإذا كان المقصود من الدعوة أن تقرّب الإنسان من الله، فإن اليأس والإهانة والتنفير لا تصنع قلبًا صالحًا
وإنما قد تدفع صاحبها إلى مزيد من الابتعاد.
ابدأ بمن حولك
ليس مطلوبًا من الإنسان أن يقوم بأعمال عظيمة حتى يكون له أثر.
ابدأ بدائرتك الصغيرة.
كن رحيمًا بوالديك، لطيفًا مع أبنائك، أمينًا في عملك، وفيًّا لأصدقائك، كريمًا مع من يحتاج إليك.
وحين ترى إنسانًا يمر بضيق، لا تسأل دائمًا: ماذا أستطيع أن أفعل؟
ربما يكفي أن تكون حاضرًا.
وربما تكون رسالة قصيرة، أو اتصالًا، أو دعاءً صادقًا، سببًا في أن يشعر شخص ما بأن الدنيا لم تتخلَّ عنه تمامًا.
أن يخرج الناس من عندك أكثر أملًا
ربما يكون أجمل أثر يتركه الإنسان فيمن حوله أن يجعلهم أكثر قربًا من الخير، وأكثر ثقةً برحمة الله
وأكثر قدرةً على تجاوز أخطائهم.
وهذا هو المعنى الذي يجعل الحديث عن العلم والدعوة مرتبطًا بالإنسان قبل أي شيء آخر.
فليس أعظم ما يتركه الداعية في الناس عدد الكلمات التي قالها، وإنما القلوب التي أعاد إليها الأمل
والنفوس التي شجعها على التوبة، والأخلاق التي ساعد على إحيائها.
وفي النهاية، لعل الرسالة التي نحتاج جميعًا إلى تذكرها هي
لا تعرف المعركة التي يخوضها الإنسان الذي أمامك، فلا تكن سببًا في زيادة ألمه.
كن لينًا ما استطعت، واعفُ حين تستطيع، وقل كلمة طيبة حين تجد إليها سبيلًا، وافعل الخير
دون انتظار أن يراك أحد.
فقد تنسى أنت موقفًا صغيرًا فعلته منذ سنوات، بينما يظل إنسان آخر يتذكره لأنه جاءه في اللحظة
التي كان يحتاجه فيها.
وهناك، في تلك التفاصيل التي لا يلتفت إليها الناس، يظهر أجمل ما في الإيمان
أن يصبح حضورك في حياة الآخرين سببًا في شيء من الرحمة والأمل والنور.


