مصر والسعودية.. زيارة تفتح أبوابًا جديدة للاستثمار والأمل
الأربعاء ١٦ - سبتمبر - ٢٠٢٦
بقلم: دكتور. فريد شوقي
الكاتب والمفكر والخبير التربوي
ليست كل الزيارات السياسية تُقاس نتائجها في يومها الأول، فهناك زيارات تمثل بداية لمرحلة جديدة
وتفتح الطريق أمام مشروعات واستثمارات وشراكات تمتد آثارها لسنوات.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي
ورئيس مجلس الوزراء، إلى مصر ولقائه بالرئيس عبد الفتاح السيسي، باعتبارها محطة مهمة في مسار
العلاقات المصرية السعودية، ليس فقط على المستوى السياسي، وإنما أيضًا على المستوى
الاقتصادي والاستثماري.
فالحديث عن العلاقات بين القاهرة والرياض لا ينبغي أن يتوقف عند حدود التاريخ والمشاعر والروابط
الشعبية، بل يجب أن يمتد إلى سؤال المستقبل
كيف نحول هذه العلاقة التاريخية إلى شراكة اقتصادية أكثر إنتاجًا وتأثيرًا؟
الاستثمارات ليست أرقامًا فقط
الحديث عن حجم الاستثمارات السعودية في مصر يعكس أهمية الشراكة الاقتصادية بين البلدين، لكن
الرقم في حد ذاته ليس هو القضية الأهم.
الأهم هو ما الذي يمكن أن تصنعه هذه الاستثمارات على أرض الواقع.
فكل استثمار جديد يمكن أن يعني مصنعًا يعمل، أو مشروعًا سياحيًا ينمو، أو شركة تتوسع، أو شابًا
يحصل على فرصة عمل، أو منتجًا مصريًا يجد طريقه إلى أسواق جديدة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للاستثمار.
مصر تمتلك سوقًا كبيرة، وموقعًا جغرافيًا متميزًا، وقاعدة بشرية واسعة، ومقومات صناعية
وسياحية ولوجستية متعددة.
وفي المقابل، تمتلك المملكة العربية السعودية قوة استثمارية كبيرة ورؤية اقتصادية طموحة، وتبحث
عن فرص وشراكات جديدة في العديد من القطاعات.
وعندما تلتقي الإمكانات المصرية مع القدرات الاستثمارية السعودية، فإن مساحة التعاون يمكن أن تكون
أكبر بكثير من مجرد استثمارات منفردة.
من الاستثمار إلى الإنتاج
مصر تحتاج إلى الاستثمار الذي يضيف قيمة حقيقية للاقتصاد.
نحتاج إلى مصانع تنتج، ومشروعات توفر فرص عمل، وشركات تنقل الخبرة والتكنولوجيا، ومشروعات
تساعد على زيادة الصادرات، وشراكات تفتح أسواقًا جديدة أمام المنتج المصري.
وتبدو قطاعات مثل الصناعة، والطاقة، والطاقة المتجددة، والسياحة، واللوجستيات، والأمن الغذائي
والتكنولوجيا، من المجالات التي يمكن أن تحمل فرصًا واسعة للتعاون المصري السعودي.
كما أن الموقع الجغرافي لمصر يمكن أن يجعلها قاعدة مهمة للإنتاج والتصدير إلى الأسواق الأفريقية
والعربية، بما يفتح المجال أمام شراكات مصرية سعودية تتجاوز السوق المحلية إلى أسواق إقليمية أوسع.
الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان
وهنا أرى قضية لا تقل أهمية عن الأموال والمشروعات:الإنسان المصري.
فلا يمكن أن نتحدث عن استثمارات ضخمة ومشروعات جديدة دون أن نتحدث عن إعداد الشباب
القادر على العمل داخل هذه المشروعات.
المصنع الحديث يحتاج إلى عامل يمتلك مهارات جديدة.
وشركات التكنولوجيا تحتاج إلى شباب يمتلك المهارات الرقمية.
والسياحة الحديثة تحتاج إلى كوادر مؤهلة.
والاقتصاد الجديد يحتاج إلى إنسان قادر على التعلم المستمر والتعامل مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ولهذا فإن تطوير التعليم والتدريب المهني والتقني يجب أن يكون جزءًا من رؤية الاستثمار نفسها.
فأفضل استثمار يمكن أن نحققه هو الاستثمار في الإنسان، لأنه الاستثمار الذي يبقى أثره حتى بعد انتهاء المشروع.
القاهرة والرياض.. شراكة يمكن أن تصنع نموذجًا عربيًا
العلاقة المصرية السعودية تمتلك رصيدًا تاريخيًا وشعبيًا كبيرًا، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ترجمة
هذا الرصيد إلى شراكات اقتصادية أكثر عمقًا.
لماذا لا نرى المزيد من الشركات المصرية السعودية المشتركة؟
ولماذا لا تتحول مصر إلى منصة إنتاج وتصدير للشركات السعودية إلى الأسواق الأفريقية؟
ولماذا لا تتكامل الموانئ والمناطق اللوجستية وسلاسل الإمداد بين البلدين بصورة أكبر؟
ولماذا لا تكون السياحة والطاقة والصناعة والتكنولوجيا والتعليم والتدريب بوابات لموجة جديدة من التعاون؟
هذه ليست مجرد أحلام، وإنما ملفات يمكن تحويلها إلى واقع إذا توافرت الإرادة وسرعة التنفيذ واستمرت
جهود تحسين بيئة الاستثمار.
الأمل يحتاج إلى عمل
التفاؤل بالمستقبل لا يعني تجاهل التحديات.
فالفرص الكبيرة تحتاج إلى بيئة استثمارية أكثر كفاءة، وإجراءات أسرع، ووضوح في القواعد
وتقليل المعوقات أمام المستثمرين، وتحويل الاتفاقات والتفاهمات إلى مشروعات حقيقية على الأرض.
والأهم من ذلك أن يشعر المواطن المصري بأن ثمار النمو الاقتصادي تصل إليه في صورة فرصة عمل
ودخل أفضل، وإنتاج أكبر، وخدمات أكثر كفاءة، ومستقبل أكثر استقرارًا.
فنجاح أي شراكة اقتصادية لا يُقاس فقط بحجم الأموال التي تدخل الدولة، وإنما بما تضيفه إلى
حياة الناس والاقتصاد والمجتمع.
مصر والسعودية.. وأفق أكبر للمستقبل
زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة تحمل أهمية تتجاوز تفاصيل الزيارة نفسها، لأنها تفتح الباب أمام
التفكير في مرحلة جديدة من الشراكة المصرية السعودية.
وإذا نجح البلدان في تحويل الإرادة السياسية والعلاقات التاريخية إلى مشروعات إنتاجية واستثمارات
طويلة الأجل، فإن مساحة التعاون يمكن أن تتسع بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة.
وأنا أنظر إلى هذه المرحلة بعين التفاؤل، ليس تفاؤلًا قائمًا على الأمنيات، وإنما على ما يمتلكه البلدان
من إمكانات، وما يجمعهما من علاقات تاريخية، وما يمكن أن تتيحه الشراكة الاقتصادية من فرص حقيقية.
مصر لا تحتاج فقط إلى المستثمر الذي يضع أمواله في مشروع، وإنما تحتاج إلى شريك يبني معها المستقبل.
والسعودية ليست فقط دولة شقيقة تجمعها بمصر روابط تاريخية عميقة، وإنما أيضًا قوة اقتصادية عربية
يمكن أن تكون شريكًا رئيسيًا في العديد من مشروعات التنمية والاستثمار.
ومن هنا، فإن الأمل الحقيقي هو أن تتحول هذه المرحلة إلى بداية لمزيد من المشروعات المشتركة
والاستثمارات الإنتاجية، وفرص العمل، ونقل التكنولوجيا، وتأهيل الإنسان المصري للمستقبل.
فحين تلتقي العلاقات التاريخية مع المصالح الاقتصادية، وحين يتحول الاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج
إلى فرص عمل، والتعليم إلى مهارات، والمهارات إلى قوة اقتصادية، فإن المستقبل لا يصبح مجرد أمنية…
بل يصبح مشروعًا يمكن أن نبنيه بأيدينا.
مصر والسعودية.. أخوة في التاريخ، وشراكة في الحاضر، وأمل كبير في المستقبل.


