لا تحزن إذا تخلى عنك البشر… فاطمئن، لأن رب البشر معك
الجمعة ٢٥ - سبتمبر - ٢٠٢٦
بقلم: دكتور. فريد شوقى النزلاوى
الكاتب والمفكر والخبير التربوى
أحيانًا تأخذنا الحياة إلى لحظات نشعر فيها أن كل شيء قد تغيّر…أشخاص أحببناهم ابتعدوا، وأشخاص
وثقنا بهم خذلونا، وأبواب كنا نظن أنها ستظل مفتوحة أُغلقت فجأة.
نشعر وقتها أننا وحدنا… وأن الطريق أصبح أثقل من قدرتنا على الاحتمال.
لكن تذكّر جيدًا:إذا تخلى عنك البشر… فاطمئن، لأن رب البشر معك.
هناك من هو أقرب إليك من حبل الوريد، يعلم ما في قلبك قبل أن تتحدث، ويرى دمعتك التي
أخفيتها عن الجميع، ويسمع الدعاء الذي لم تستطع أن تنطقه من شدة التعب.
هو الله…الرحمن الرحيم،اللطيف بعباده،الكريم الذي لا تنفد خزائنه،الوهاب الذي يعطي بلا حساب.
هو الذي يربّت على قلبك عندما لا تجد يدًا تربّت عليه... هو الذي يمنحك القوة وأنت تظن أنك انتهيت.
هو الذي يهون عليك ما أثقل روحك، ويمنحك السكينة في أشد لحظات القلق، ويفتح لك أبوابًا لم تكن
تراها عندما ظننت أن كل الأبواب قد أُغلقت.
فلا تحزن على شخص اختار الرحيل…ولا تنكسر بسبب إنسان اختار أن يخذلك…ولا تجعل غياب أحد
يجعلك تشك في قيمتك.
أنت لا تحتاج إلى أن يبقى الجميع بجانبك حتى تستمر... يكفي أن تعرف أن الله معك.
وربما كان ابتعاد بعض الأشخاص عن حياتك بداية لمرحلة جديدة.
وربما كان إغلاق بعض الأبواب حمايةً لك من طريق لم يكن مناسبًا لك.
وربما كان تأخر ما تتمناه إعدادًا لشيء أجمل مما كنت تتوقع.
نحن أحيانًا نحزن لأننا لا نفهم ما يحدث الآن، لكن الأيام تكشف لنا أن بعض الأشياء التي أبكتنا كانت
في الحقيقة تحمل لنا رحمة لم ندركها وقتها.
لذلك…لا تستسلم... انهض من جديد... رتّب قلبك، واستجمع قوتك، وابدأ من حيث أنت.
لا تقل: ماذا خسرت؟
بل اسأل نفسك:ماذا يمكنني أن أبني من جديد؟
لا تقل: من تركني؟
بل قل:من معي؟
وستجد أن الله كان معك في كل خطوة، حتى في اللحظات التي ظننت فيها أنك تسير وحدك.
قد تتعثر… لكن لا تتوقف... قد تبكي… لكن لا تفقد الأمل... قد تضيق بك الدنيا… لكن لا تغلق باب الدعاء.
قد تتأخر أمنياتك… لكن لا تظن أن الله نسيك.
الله لا ينسى قلبًا دعاه، ولا يضيع سعيًا صادقًا، ولا يترك عبدًا أحسن الظن به.
فإذا شعرت أن الدنيا أصبحت ثقيلة، ارفع يديك وقل:يا رب… أنا لا أملك إلا أنت، وأنت تكفيني.
ثم ابدأ من جديد.
فالحياة لا تتوقف عند خذلان شخص، ولا تنتهي برحيل إنسان، ولا تُقاس بعدد الذين بقوا أو الذين رحلوا.
الحياة أكبر من ذلك بكثير... أنت ما زلت تملك فرصة.. ما زال أمامك طريق.
ما زالت هناك أحلام تنتظر أن تحققها... وما زال في الغد شيء جميل لم تره بعد.
فلا تجعل جرح الأمس يسرق منك فرحة الغد.
ولا تسمح للحظة ضعف أن تجعلك تنسى كل النعم التي تحيط بك.
ثق بالله… ثم تحرك.
اعمل، واجتهد، وحاول، وابدأ من جديد كلما سقطت.
فالاستعانة بالله لا تعني أن تجلس وتنتظر، وإنما أن تعمل بكل ما تستطيع وقلبك مطمئن أن النتائج بيد الله.
وإذا تخلى عنك الجميع يومًا…فلا تترك أنت باب الله.وإذا ضاقت بك الدنيا…فلا تضيق عن الدعاء.
وإذا شعرت أنك لا تستطيع…فتذكر أن الله يستطيع... وإذا تأخر الفرج.
فاصبر، فربما كان الله يرتب لك شيئًا أعظم مما تتمنى.
وفي النهاية، تذكر هذه الحقيقة الجميلة:ليس المهم كم شخصًا بقي بجانبك…المهم أن تعرف من لا يتركك أبدًا.
فاهدأ يا قلب…لا تحزن... ابتسم من جديد... ابدأ من جديد.
وارفع رأسك للسماء وقل بثقة:“أنا لست وحدي… الله معي.”
ومادام الله معك، فلا تخف من طريق طويل، ولا من بداية جديدة، ولا من غدٍ مجهول.
اطمئن… القادم أجمل بإذن الله.


