الإثنين ٢١ - سبتمبر - ٢٠٢٦ القاهرة
11:10:45am

حين يدفع الوطن من دماء أبنائه… نبيل فراج نموذجًا للتضحية

الإثنين ٢١ - سبتمبر - ٢٠٢٦

بقلم:دكتور. فريد شوقي المنزلاوي

الكاتب والمفكر والخبير التربوي

هناك مشاهد لا تموت…تمر السنوات، وتتغير الوجوه، وتتبدل الظروف، لكن بعض اللحظات تظل

محفورة في ذاكرة الوطن؛ لأنها لم تكن مجرد لحظة عابرة، وإنما كانت شاهدًا على ثمن دفعه رجال آمنوا

أن مصر تستحق أن نحميها مهما كان الثمن.

 

وفي ذكرى استشهاد اللواء نبيل فراج، الذي استشهد في 19 سبتمبر 2013 أثناء مشاركته في العملية الأمنية

بمنطقة كرداسة، تتجدد أمامنا صورة رجل تقدم الصفوف، وأدى واجبه حتى النهاية، وسقط شهيدًا متأثرًا

بإصابته بطلق ناري أثناء مشاركته في العملية. (بوابة الأهرام)

 

لم يكن نبيل فراج مجرد اسم في سجل الشهداء…كان أبًا، وزوجًا، وإنسانًا له بيت وأسرة وأبناء وأحلام

مؤجلة، لكنه كان في لحظة الاختبار أمام سؤال أكبر من كل شيء:

 

ماذا نفعل عندما يكون الوطن في حاجة إلى من يحميه؟

وكانت الإجابة عنده واضحة…نؤدي واجبنا.

 

وهنا تكمن عظمة التضحية.

فالشهداء لا يرحلون لأنهم لا يحبون الحياة، بل لأنهم أحبوا وطنهم وأداء واجبهم إلى درجة جعلتهم

مستعدين لدفع أغلى ما يملكون من أجل حماية الآخرين.

لقد كان استشهاد اللواء نبيل فراج واحدًا من مشاهد كثيرة دفعت فيها مصر ثمنًا غاليًا خلال سنوات

مواجهة الإرهاب والعنف.

وفي كرداسة تحديدًا، كان رجال الشرطة والقوات المسلحة أمام مهمة شديدة الخطورة لاستعادة الأمن

وملاحقة المتورطين في الهجوم على قسم شرطة كرداسة.

 

ولذلك فإن الحديث عن الاستقرار لا ينبغي أن يكون حديثًا عابرًا.

فالاستقرار الذي نراه اليوم لم يأتِ من فراغ... وراءه أسر فقدت أبناءها... وأمهات ودّعن أبناءهن.

وزوجات فقدن أزواجهن... وأطفال كبروا وهم يحملون في قلوبهم صورة أب لم يعد إلى البيت.

ورجال ارتدوا الزي الرسمي وهم يعلمون أن طريق الواجب قد يحمل مخاطر لا يعلمون نهايتها.

 

وهؤلاء جميعًا يستحقون أن نتذكرهم... ليس فقط في ذكرى استشهادهم…بل في كل يوم نعيش فيه آمنين.

مصر لا تُبنى بالكلمات وحدها... حب الوطن ليس شعارًا نردده في المناسبات.

حب الوطن مسؤولية.. أن تحافظ على بلدك... أن تحترم القانون... أن تؤدي عملك بإخلاص.

 

أن تربي أبناءك على الانتماء والأخلاق... أن تحارب الفساد في موقعك بالوسائل القانونية.

أن تساعد المحتاج... أن تتقن عملك... أن تحافظ على الممتلكات العامة.

أن تختلف مع غيرك دون أن تهدم وطنك.

وأن تدرك أن مصر ليست مجرد حدود على الخريطة…مصر بيت كبير يسكنه أكثر من مائة مليون إنسان.

ولهذا فإن التضحية من أجل مصر لا تعني فقط أن يحمل الإنسان السلاح.

 

هناك من يضحي بعمره في ميدان العمل، ومن يضحي بعلمه من أجل تعليم الأجيال، ومن يضحي

بوقته لخدمة الناس، ومن يعمل بإخلاص حتى يترك وراءه أثرًا طيبًا.

فكل إنسان يستطيع أن يخدم وطنه من موقعه.

 

إلى أبناء مصر…لا تنظروا إلى الشهداء باعتبارهم صفحات من الماضي.

انظروا إليهم باعتبارهم رسالة للمستقبل.

رسالتهم تقول لنا:لا تفرطوا في وطنكم... لا تجعلوا الخلافات تمزقكم.

لا تسمحوا لمن يريد الخراب أن يسرق منكم معنى الوطن.

ولا تنسوا أن مصر مرت عبر تاريخها بأوقات عصيبة، لكنها كانت دائمًا قادرة على النهوض من

جديد عندما يتكاتف أبناؤها.

 

إن أعظم وفاء للشهيد ليس أن نبكيه فقط…بل أن نحافظ على الوطن الذي دفع حياته من أجله.

 

أن نجعل مصر أقوى بالعلم والعمل والأخلاق... أن نختلف دون كراهية...وأن نختلف في الرأي دون أن

نختلف على الوطن.

 

نبيل فراج… الاسم الذي لا ينبغي أن يغيب

رحم الله اللواء الشهيد نبيل فراج، ورحم الله كل شهيد قدم حياته دفاعًا عن مصر.

 

قد يموت الإنسان…لكن أثره لا يموت...وقد يغيب الجسد…لكن الموقف يبقى.

وقد تنتهي الحياة…لكن السيرة الصادقة تظل تتحدث إلى الأجيال.

 

ولهذا ستظل ذكرى نبيل فراج وغيرها من ذكريات شهداء الوطن تذكرنا بأن وراء الأمن والاستقرار

قصصًا من التضحية لا يجوز أن ننساها.

 

نحن لا نملك أن نعيد الشهداء إلى الحياة، لكننا نملك أن نحفظ ما ضحوا من أجله.

نملك أن نكون أوفياء لمصر... نملك أن نعمل من أجلها... نملك أن نحافظ عليها.

ونملك أن نربي أبناءنا على حبها.

 

فالوطن الذي دفع من دماء أبنائه كي يبقى…يستحق من أبنائه أن يبذلوا من أجله أعمارهم وجهدهم

وعلمهم وإخلاصهم.

 

رحم الله شهداء مصر جميعًا…وحفظ الله مصر وشعبها…وحفظ كل من يقف في موقعه يؤدي واجبه

ويحمي هذا الوطن.

 

عاشت مصر… قوية بأبنائها، شامخة بتاريخها، صامدة أمام كل محنة. 

وستظل مصر في القلب… ما حيينا.



موضوعات مشابهه