الأربعاء ٢٣ - سبتمبر - ٢٠٢٦ القاهرة
04:42:16pm

حين تُستهدف المدارس… يبكي قلبي قبل عيني

الأربعاء ٢٣ - سبتمبر - ٢٠٢٦

 

بقلم: دكتور. فريد شوقي المنزلاوي

الكاتب والمفكر والخبير التربوي

هناك أخبار لا تستطيع أن تقرأها ثم تغلق هاتفك وتمضي في يومك كأن شيئًا لم يحدث.

وهناك مشاهد لا تحتاج إلى شرح طويل، لأن القلب يفهمها قبل أن تستوعبها الكلمات.

ما يحدث في السودان يؤلم كل إنسان ما زال يحمل في داخله ذرة من الرحمة.

أن تُستهدف مدرسة… فهذه ليست مجرد بناية تضررت.

أن تُستهدف وزارة للتربية والتعليم… فالمستهدف ليس جدارًا أو مكتبًا، وإنما مستقبل أجيال كاملة.

 

وأن تُدمر مخازن التغذية المدرسية ومرافق المياه، فإن الألم يصبح أكبر؛ لأن الطفل الذي حُرم من

مدرسته، قد يُحرم أيضًا من الغذاء والماء والأمان.

 

ماذا فعل الأطفال حتى يدفعوا ثمن الحرب؟

أسأل نفسي هذا السؤال وأنا أتابع ما يرد من السودان

ماذا فعل الطفل السوداني حتى يعيش الخوف بدلًا من أن يحمل حقيبته المدرسية؟

ماذا فعلت الطفلة التي كان من المفترض أن تستعد لأول يوم دراسي، لترى بدلًا من المعلم والطابور

المدرسي مشاهد الدمار والخوف؟

 

الأطفال لا يعرفون لغة البنادق... لا يفهمون حسابات الصراعات... لا يصنعون الحروب.

لكنهم للأسف غالبًا ما يدفعون ثمنها.

 

وهنا يجب أن يتوقف العالم قليلًا…ليس ليتحدث عن السياسة فقط، ولا عن المصالح، ولا عن الحسابات

الدولية، وإنما ليتذكر أن هناك إنسانًا صغيرًا خلف كل رقم وكل خبر وكل صورة.

 

عندما تُضرب المدرسة… تُضرب أحلام وطن. 

أنا رجل تربوي قبل أن أكون كاتبًا أو مفكرًا أو صاحب أي صفة أخرى.

ولذلك فإن استهداف التعليم يؤلمني بصورة خاصة.

فالمدرسة ليست مجرد فصول ومقاعد وسبورات.

 

المدرسة هي المكان الذي يتعلم فيه الطفل كيف يقرأ، وكيف يفكر، وكيف يحلم

 وكيف يصبح مواطنًا قادرًا على بناء وطنه.

ولهذا فإن حماية التعليم في السودان ليست قضية سودانية فقط.... إنها قضية إنسانية عالمية.

لأن الطفل الذي يُحرم من التعليم اليوم قد يكون طبيبًا أو مهندسًا أو معلمًا أو عالمًا أو قائدًا غدًا.

 

وعندما تُهدم مدرسة، فإننا لا نخسر مبنى فقط…بل نخسر جزءًا من الطريق إلى المستقبل.

إلى العالم: لا تتركوا أطفال السودان وحدهم... رسالتي اليوم ليست إلى طرف سياسي بعينه.

رسالتي إلى الضمير الإنساني في العالم كله:إلى الأمم المتحدة، إلى المنظمات الإنسانية.

إلى المؤسسات الدولية المعنية بالطفولة والتعليم، إلى كل دولة تستطيع أن تساعد.

إلى كل مؤسسة تستطيع أن توصل الغذاء والماء والدواء.

وإلى كل إنسان يستطيع أن يرفع صوته من أجل طفل لا يملك أن يرفع صوته بنفسه.

 

أنقذوا التعليم في السودان... احموا الأطفال... افتحوا أبواب المدارس من جديد.

أعيدوا الماء والغذاء والأمان إلى حياة الطلاب.

 

فالطفل السوداني لا يحتاج إلى مزيد من الخطب…إنه يحتاج إلى أن يشعر أن العالم لم ينسه.

 

لا تجعلوا الحرب تسرق المستقبل.. قد يستطيع الإنسان أن يعيد بناء جدار تهدم.

وقد يستطيع أن يصلح مدرسة تضررت... وقد يستطيع أن يعيد بناء منشأة دمرتها الحرب.

لكن هناك أشياء إذا ضاعت يصعب تعويضها…طفولة طفل... تعليم طالب... أمان أسرة.

وحلم جيل كامل.

 

لهذا فإن وقف استهداف المنشآت التعليمية وحماية المدارس والطلاب والمعلمين، وضمان

وصول الغذاء والمياه والخدمات الإنسانية، يجب أن يكون أولوية إنسانية عاجلة.

 

أبكي على السودان… لأنني أبكي على الإنسان

ربما يسأل البعض: لماذا يؤلمك ما يحدث وأنت بعيد؟

 

وأقول لهم:لأن الإنسان لا يحتاج إلى جواز سفر حتى يشعر بألم إنسان آخر.

أنا مصري، والسودان بلد شقيق، لكن قبل كل ذلك…أنا إنسان.

وعندما أرى طفلًا خائفًا، أشعر أن شيئًا في داخلي ينكسر.

 

وعندما أرى مدرسة تتحول إلى مكان للخوف بدلًا من أن تكون مكانًا للأمل، أشعر أن قلبي يبكي قبل عيني.

لا أملك أن أوقف الحرب بيدي... لكنني أملك أن أقول كلمة... وأملك أن أذكر العالم بأن خلف الأخبار أطفالًا.

وخلف الأرقام أحلامًا... وخلف الدمار أمهات وآباء... وخلف كل طفل سوداني مستقبل يستحق أن يعيش.

 

السودان يستحق الحياة

أتمنى أن يأتي اليوم الذي يستيقظ فيه أطفال السودان على صوت جرس المدرسة، لا صوت الانفجارات.

أن يحمل الطفل حقيبته بدلًا من أن يحمل الخوف في قلبه... أن يعود المعلم إلى فصله.

أن تعود الكتب إلى أيدي الطلاب... أن يعود الماء إلى المدارس.

وأن يصبح الطريق إلى المدرسة طريقًا إلى المستقبل، لا طريقًا إلى الخطر.

 

اللهم احفظ السودان وأهله، واحفظ أطفاله، وارفع عنهم البلاء والخوف، ورد إليهم الأمن والسلام

 واجعل مدارسهم منارات علم وأمل من جديد.

 

وفي النهاية، أقولها من القلب:قد تختلف الشعوب في السياسة، وقد تختلف الدول في المواقف

لكن لا ينبغي أن يختلف العالم على حق الطفل في الحياة والتعليم والأمان.

فإذا عجزنا عن صناعة السلام، فلا أقل من أن نحمي الأطفال من ثمن الحرب.

وإذا اختلفنا في كل شيء، فلنتفق على شيء واحد

أن أطفال السودان ليسوا طرفًا في الحرب… ولذلك يجب ألا يكونوا ضحاياها.

 

 



موضوعات مشابهه