كيف جعل ضوء المشاعل فن الكهوف ينبض بالحياة؟
الخميس ٠١ - أكتوبر - ٢٠٢٦
يرى باحثون أن فن الكهوف في عصور ما قبل التاريخ ربما كان يبدو مختلفًا تمامًا عما نراه اليوم في الصور
الفوتوغرافية أو تحت الإضاءة الحديثة، إذ كانت الرسومات تُشاهد في ضوء خافت ومتذبذب صادر عن
المشاعل أو مصابيح دهن الحيوانات، وهو ما قد يجعل الحيوانات المرسومة تبدو وكأنها تخرج من
الصخور أو تتحرك بين الظلال.
ويتزايد اهتمام الباحثين بدراسة فنون الكهوف باعتبارها جزءًا من بيئتها الطبيعية، وليس مجرد صور مرسومة
على الجدران
ففي موقع «إل كاستيلو» شمال إسبانيا، الذي يضم آلاف الصور، استخدم الفنانون تضاريس الكهف ضمن
أعمالهم، فتحولت الشقوق والنتوءات والتكوينات الصخرية إلى أجزاء من أجسام الحيوانات، بينما أضيفت
أحيانًا علامات قليلة لإبراز شكل موجود بالفعل في الحجر، بحسب ما ذكره موقع «My Modern Met».
وتشير هذه التفاصيل إلى أن فناني ما قبل التاريخ ربما لم يتعاملوا مع جدران الكهوف باعتبارها مساحات
فارغة، بل كانوا يتعرفون على أشكال الحيوانات داخل الصخور، ثم يستخدمون الطلاء أو النحت لإبرازها.
فقد يوحي أحد المنحنيات بظهر ثور البيسون، بينما يمكن أن تشير تشكيلات أخرى إلى حصان أو غزال.
ويدرس عالم الآثار دييجو غاراتي، الذي بحث على نطاق واسع في فن الكهوف خلال العصر الحجري
القديم، الطريقة التي تفاعلت بها هذه الصور مع محيطها، بما في ذلك تأثير الإضاءة القديمة، التي يصعب
نقلها عند إعادة إنتاج فنون الكهوف في الصور الحديثة.
وكانت المشاعل ومصابيح دهن الحيوانات تختلف عن مصادر الإضاءة الحديثة، إذ كانت تصدر ضوءًا
متذبذبًا تتحرك معه الظلال باستمرار على جدران الكهوف غير المستوية. ولذلك، كان الحيوان المرسوم
على نتوء أو بجوار شق يمكن أن يبدو مختلفًا من لحظة إلى أخرى مع تحرك الأشخاص ومصادر الضوء.
ومن أبرز الأمثلة في موقع «إل كاستيلو» شكل يُعرف أحيانًا باسم «رجل البيسون»، وهو شكل منحوت في
صواعد الكهوف، وعند إضاءته من زاوية معينة يلقي ظلًا يشبه ظل البيسون. وخلال تجربة أجراها غاراتي
بتحريك مصدر الضوء، بدا الظل وكأنه يتحرك على جدار الكهف.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن صانع «رجل البيسون» قصد إحداث هذا التأثير، خاصة أن المصابيح اليدوية
الحديثة تختلف كثيرًا عن المشاعل والمصابيح التي كانت متاحة قبل آلاف السنين، ما يجعل إعادة إنتاج
التجربة الأصلية بدقة أمرًا صعبًا. ويستخدم الباحثون حاليًا عمليات إعادة بناء رقمية وتقنيات الواقع
الافتراضي لدراسة تفاعل مصادر الضوء القديمة مع أسطح الكهوف.
وتكشف أعمال أخرى عن مدى دقة ملاحظة فناني ما قبل التاريخ للصخور المحيطة بهم.
ففي أحد التكوينات الطبيعية بموقع «إل كاستيلو»، يظهر ما يشبه رأس ثور أمريكي، ولم يضف الفنان
سوى علامتين سوداوين صغيرتين للعين والمنخر، بينما جاءت معظم تفاصيل الحيوان من شكل الصخر نفسه.
وتعيد هذه التفاصيل تشكيل نظرة الباحثين إلى فنون ما قبل التاريخ، إذ ربما لم تكن رسومات الكهوف
مجرد صور ثابتة تُشاهد من زاوية واحدة، بل أعمالًا وُجدت داخل بيئة من الظلام والصخور غير المستوية
وسط مشاهدين متحركين وضوء متغير باستمرار، وهو ما قد يكون جعل الكهوف تقدم تجربة بصرية غامرة
وتبدو الحيوانات المرسومة والمنحوتة وكأنها تنبض بالحياة في وهج اللهب الخافت.


